الشيخ محمد النهاوندي
489
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وارسلوا فيها نبيّهم ، وألقموا فاها صخرة عظيمة ، ثمّ أخرجوا الأنابيب من الماء ، وقالوا : نرجو الآن أن ترضي عنّا آلهتنا إذ رأت أنّا قتلنا من كان يقع فيها ويصدّ عن عبادتها ودفنّاه تحت التّراب ، وإن كبيرها يتشفّى منه ، فيعود لنا نورها ونضرتها « 1 » كما كان ، فبقوا عامّة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول : سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدّة كربي ، فارحم ضعف ركني ، وقلّة حيلتي ، وعجّل قبض روحي ، ولا تؤخّر إجابة دعوتي ، حتى مات . فقال اللّه تعالى لجبرئيل عليه السّلام : يا جبرئيل ، أيظن عبادي هؤلاء الذين غرّهم حلمي ، وأمنوا مكري ، وعبدوا غيري ، وقتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي ، ويخرجوا من سلطاني ؟ ! كيف وأنا المنتقم ممّن عصاني ، ولم يخش عقابي ، وإنّي حلفت بعزّتي لأجعلنّهم عبرة ونكالا للعالمين ، فلم يرعهم وهم في عيدهم ذلك إلّا بريح عاصفة شديدة الحمرة ، فتحيّروا فيها وذعروا منها وتضامّ بعضهم إلى بعض ، ثمّ صارت الأرض من تحتهم كحجر كبريت يتوقّد ، وأظلّتهم سحابة سوداء ، فألقت عليهم كالقبّة جمرا يلتهب ، فذابت أبدانهم [ في النار ] كما يذوب الرصاص في النار » الخبر « 2 » . وروى بعض العامة هذه الرواية بتفاوت يسير « 3 » . عن علي بن الحسين عليهما السّلام ، عن أبيه ، عن أمير المؤمنين عليهم السّلام ، وعن الصادق عليه السّلام أنه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهنّ عن السّحق ، فقال : « حدّها حدّ الزاني ، فقالت : ما ذكر اللّه عزّ وجلّ ذلك في القرآن ؟ فقال عليه السّلام : « بلى » . فقالت : وأين هو ؟ قال : « هنّ أصحاب الرّسّ » « 4 » . والقمي عنه عليه السّلام ، قال : دخلت امرأة مع مولاتها على أبي عبد اللّه عليه السّلام ، فقالت : ما تقول في اللواتي مع اللواتي ؟ قال : « هنّ في النار ، إذا كان يوم القيامة اتي بهنّ فألبسن جلبابا من نار ، وخفّين من نار ، وقناعا من نار ، وادخل في أجوافهنّ وفروجهنّ أعمدة من نار ، وقذف بهنّ في النار » فقالت : ليس هذا في كتاب اللّه ؟ قال : « بلى » قالت : أين هو ؟ قال : « قوله : وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ فهن الرّسيّات » « 5 » . أقول : هذه الروايات في بيان سبب إهلاك نسوتهم ، وما سبق في بيان سبب عقوبة الرجال ، فلا تنافي بينها . وَ أهلك قُرُوناً وأمما كانوا بَيْنَ ذلِكَ المذكور من الأمم حال كونهم كَثِيراً لا يعلمهم
--> ( 1 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : ونضارتها . ( 2 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 205 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 13 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 213 . ( 4 ) . الكافي 7 : 202 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 15 . ( 5 ) . تفسير القمي 2 : 113 ، تفسير الصافي 4 : 15 .